كتب: محمد محمود
في مشهد جديد للدبلوماسية الرياضية ودورها المرن في بناء الجسور بين الشعوب، تفاعل العديد من متابعي كأس الأمم الأفريقية مع المشجع الكونغولي الذي تقمص شخصية الزعيم "باتريس لومومبا" (أول رئيس وزراء للكونغو الديمقراطية)، ونقل لأجيال جديدة سيرته الذاتية بدون أن ينطق كلمة واحدة؛ دبلوماسية ظرفية أحدثت ضجيجاً وأظهرت صلابة رجل في زمن عز فيه الرجال الأوفياء. ولكي يحتفي بمناضل عظيم، ظل واقفاً -لمدة 90 دقيقة وأكثر- على قدميه في كل مباراة يخوضها المنتخب الكونغولي أمام منافسيه.
وقف المشجع الكونغولي ساكناً ليُخلد أمام الجميع صورة واسم مناضل كبير ظل صوته مرتفعاً في مواجهة المستعمر؛ فالأجيال السابقة تتذكر خطبه التي كانت تُذاع في راديو "صوت العرب" من القاهرة، وخلدت العديد من الدول -التي وقفت شعوبها أمام جبروت المستعمر- اسم لومومبا، وتزينت شوارع في مصر والمغرب والجزائر باسم المناضل. واليوم، استطاع ذلك المشجع الوفي لتاريخ بلاده أن يضع اسم الكونغو الديمقراطية وقادتها التاريخيين في صدارة المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، ووجه رسالة نبيلة بتذكير الضمير الإنساني العالمي بالقارة الأفريقية؛ مصنع المناضلين ضد الاستعمار (لومومبا، والمواليمو نيريري -أي المعلم نيريري باللغة السواحلية-).
على مدى العقود الماضية، تسعى مصر ودول قارتها السمراء إلى ترسيخ ثقافة الانتماء والهوية الوطنية لدى أبناء القارة. وكدبلوماسي مصري أفتخر بالانتماء للقارة الأفريقية، أجدني متحمساً للإسهام في السرد الإعلامي لحالة الانتماء التي أبرزها مواطن كونجولي في استادات المملكة المغربية؛ فالدبلوماسية تُبرز الهوية، والرياضة تعزز الطاقة. وللأسف يوجد تقصير في حق قارتنا السمراء؛ فما يتم تصديره إعلامياً أن أفريقيا عنوان لعدم الاستقرار وتفشي الأوبئة وما إلى ذلك من أزمات إنسانية وحروب وفقر، في حين لا يصل إلى مسامعنا ومسامع من يسكن المجرة ما تمتلكه دول القارة من إمكانيات بشرية وموارد طبيعية، وبصفة خاصة الكونغو الديمقراطية (زائير سابقاً) التي تمتلك من تاريخ وثروات تعدينية ما حفز قوى استعمارية تقليدية (بلجيكا وفرنسا في القرن المنصرم) والولايات المتحدة والصين حالياً على التكالب للاستئثار بما تملكه هذه الدولة من ثروات.
في ظل التعقيدات التي تسود المشهد الدولي المعاصر، وما يشهده كوكبنا من تفاعلات عابرة للحدود وللقانون الدولي والأعراف الدبلوماسية، جاء رجل بسيط من وسط أفريقيا إلى المغرب ليحضر مباريات منتخب بلاده، ولم يكن يدرك أنه سيقوم -منفرداً- بحراك دبلوماسي غير مسبوق، ويدشن لفرضية بسيطة قوامها أن الترويج لإمكانيات الدولة وتاريخها لا يشترط تخصيص موارد ضخمة؛ فعلى الرغم من أن المشجع الكونغولي لم ينطق بكلمة واحدة ولم يعانِ من فرط التعبير والحركة، استطاع أن يجذب أنظار وقلوب الكبير والصغير، المسؤولين والجماهير. وصفته بعض تقارير القنوات الفضائية ذائعة الصيت أنه بمثابة "استعارة حية" للزعيم لومومبا، وقدم المشجع -بمظهره الكلاسيكي- صورة راقية وعصرية للتشجيع ومؤازرة الفريق الوطني في القارة السمراء (الماما أفريكا).
ولعلنا لا نبالغ عندما نؤكد مجدداً أن تمثيل الوطن ليس قاصراً على شخص أو جهة بعينها، وأن فعالية رياضية أو ملعب مباراة قد يصبح ساحة لإبراز مكانة الدولة في المحيط الجغرافي أو على الساحة الدولية. ومن أبسط سمات الدبلوماسية الرياضية تيسير التواصل بين الشعوب والمجتمعات، والمزج بين الشغف وتمثيل الدولة والتعبير عن الانتماء بصور غير تقليدية وجاذبة. وعلى الرغم من أن الكونغو قد خسرت مباراة وغادرت بطولة، ولكنها نجحت من خلال مشجع راقٍ في تحقيق مكاسب متنوعة على صعيد السمعة والترويج لتاريخها؛ فالمنابر الإعلامية ومحركات البحث تعج بصور وقصص لومومبا رمز حركات التحرر في أفريقيا. ولمن لا يعلم، تُقدر الثروة التعدينية للكونغو الديمقراطية ما بين 20 إلى 24 تريليون دولار، وتضم أكثر من 1100 نوع من المعادن الثمينة، في مقدمتها "الكوبالت" (78% من الإنتاج العالمي) الذي يدخل في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية والإلكترونيات.
يمكن القول إن المغرب واللجنة المنظمة لكأس الأمم الأفريقية لديهم قدر من الذكاء والفطنة لتوظيف حضور المشجع الكونغولي بشكل متميز ليضيف للنجاحات التنظيمية التي تحققها البطولة. والمكاسب التي ستحققها الشعوب الأفريقية من استحضار روح لومومبا والتذكير بأيقونة للتحرر من الاستعمار لا يمكن إغفالها؛ فالقارة التي سيتضاعف عدد سكانها عام 2050 يجب أن تثبت قدرتها على الصمود أمام الأزمات الدولية وأن تتحرر من قيود الاستغلال لمواردها الطبيعية، بالاستثمار أولاً في مواردها البشرية لتعزيز فرص التنمية وحق أبناء القارة في الاستفادة من مواردها الطبيعية وتوظيفها بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
أما عن المنافع الإنسانية التي تتجسد هنا فلا يمكن عدم الوقوف عندها؛ فالعفوية وكرة القدم الساحرة منحت شخصاً بسيطاً (Michel Kuka) من القارة السمراء الوصول إلى العالمية وتمثيل بلاده، وشغل مساحة متميزة في المنابر المعنية بالشأن الرياضي، وظهرت أصوات متعددة تطالب بمنحه جائزة رجل البطولة، والعديد وصفوه بأنه "رجل عظيم" (Quel Grand Homme)؛ وهي من التعليقات التي أعجبتني، إذ تتناسب مع الزخم المصاحب لرجل بسيط انتسب إلى مهنة الدبلوماسية لعدة أيام، متحدثاً في عدة منابر عن فترة ثرية في تاريخ بلاده، ويمثلها بعفوية وعبارات صادقة.
شكراً لشغف كرة القدم… شكراً لكأس الأمم الأفريقية… تحية تقدير للفطرة وأصحاب النوايا الطيبة… تحية تقدير للمشجع الكونغولي الذي شجع الجميع على تصفح تاريخ القادة التاريخيين لأفريقيا وتذكيرنا بأن القارة التي أنجبت لومومبا، والتنزاني نيريري، والغاني كوامي نكروما، وغيرهم من زعماء حركة الوحدة الأفريقية، ستكون مركزاً جديداً للنمو الاقتصادي والابتكار، وستبرز كقوة اقتصادية بازغة في المستقبل القريب.