أساطير لا تُنسى: أسطورة الزمان .. المنقذ .. محمود الخطــــيب

أساطير لا تُنسى: أسطورة الزمان .. المنقذ .. محمود الخطــــيب

لا تخطئه عين، تلك الهالة التي تحيط به تمتد الي حد يصعب علي المرء ان يقترب منه دون أن يشعر أنه في حضرة أسطورة حية، فالمرء لا يقابل أسطورته كل يوم، ما بالك بأسطورة كل الأجيال؟ محمود الخطيب، رغم تلك المهابة لا تفارق الابتسامة وجهه وإن ترددت في القاء سلامك عليه لانشغالك في التحديق في وجهه فعلي الأرجح ستفيق من سرحانك لتجد يده ممدود، نحوك، بمنتهي البساطة يذيب كل الفوارق بينه وبين الجميع فهو لا ينسي أبداً من أين أتي وكيف بدأ ولماذا هو هنا اليوم تحديداً، بفضل هؤلاء الملتفين حوله داخل جدران النادي بما فيهم أجيال لم تشاهده كلاعب كرة ولكن ما قدمه الخطيب للأهلي لا يمكن تلخيصه في الكره فقط.

تأخر اليوم كثيراً في النادي، رحل الجميع من حوله وبقي هو وحيداً تماماً كما أتي للنادي في أول مرة، ساقته قدميه داخل ملعب التتش، لا صوت سوي لوقع قدميه علي النجيل المحبب اليه، ربما سمع صوت خافت يأتي من المدرجات التي هُدم أكثر من نصفها "م العتبه جينا و من شبرا يا بيبو .. يا ابو الفانله حرير حمرا يا بيبو ,فنان و لعبك رجوليه يا بيبو ,يا ساحر الكوره المصريه يا بيبو, يا مدفعيه يا بيبو ,يا ابو رجل قويه يا بيبو " لم يستطع ان يقاوم رد فعلته التلقائيه بتوجهه نحو المدرجات  ليرد تحية الجماهير تماماً كالأيام الخوالي، صعد نحو المدرجات وتوسطها جالساً ناظراً الي ملعب التتش الغارق في الظلام.

أنارت بقعة ضوء دائرية منتصف الملعب تماماً كما يحدث في عروض المسرح، يظهر في بقعة الضوء طفل صغير يحاول جاهداً ألا تقع الكرة من علي قدمه، يركلها باتقان لا يناسب سنه ولا حجم جسمه، تقع الكرة علي الأرض أخيراً فيجلس عليها ليفكر في حلمه المعتاد، أن يصبح لاعب كرة في "الأهلي" مرتدياً القميص رقم عشرة مثل لاعبه المفضل بيليه، يشعر بصعوبة الحلم ويؤمن أنه سيحدث يوماً ما،
" كل اللي كنت بتمناه وأنا صغير اني أعدي بس جنب سور النادي الأهلي" محمود الخطيب.

تخفت بقعة الضوء لتظهر مري اخري حول المرمي، يرى نفسه لاعباً صغيراً عمره ستة عشرعاماً بقميص فريق النصر يحرز هدفي فريقه علي نفس هذا الملعب في مباراة أمام ناشئي الأهلي، خسر بيبو المباراة ولكنه لم يخرج من النادي الأهلي مرة أخرى، يدخل الملعب فجأه كابتن مصطفي حسين  مدرب ناشئي الأهلي متحدثاً للشاب الوافد حديثاً للنادي الأهلي "انت دلوقتي لاعب في الأهلي، الأهلي مش زي أي نادي لازم تحس بقيمة الأهلي وجمهوره، عشان خاطر الجمهور يحبك والنادي يقدرك".

ينظر بيبو الي المدرجات الخاوية، فجأة يعاد بناء ما تهدم منها ثم تمتليء تدريجياً بجماهير الأهلي الغفيرة، ما يقرب من 45 الف متفرج، يستطيع أن يميز منهم والده وأخاه يترقبون الملعب في شغف، لا يتابعون المباراة بقدر ما تتعلق أعينهم بلاعب واحد في الملعب، ينظر في اتجاه نظرهم ليرى نفسه يحرز هدفه الشخصي الثالث والسابع للأهلي في مباراة الناشئين ضد الزمالك، يعود ليرى نظرة الفخر داخل عين أباه اللامعة، نظرة كتلك لا تقدر بثمن ... يخفت الضوء من جديد.

يختفي الملعب بالكامل من أمام بيبو ويجد نفسه واقفاً أمام رجل جالساً علي مكتبه يدير له ظهره ولكنه يعرفه جيداً ... صالح سليم، يستدير الرجل وينظر في أعين بيبو تماماً وبصوتٍ هادئ يقول له "انت حظك وحش يا محمود، انت لو عديت المحيط هيبقي ليك شأن تاني خالص" يتلاشى الرجل تدريجياً وتتناثر الأوراق من على مكتبه تصطدم ورقة بالخطيب فيرفعها أمام وجهه ليقرأ ما عليها فيجدها صفحة من جريدة الأهرام يتوسطها عنوان عريض "الخطيب يقلب موازين نهائي الكأس" تتلاشى الورقة ليجد نفسه علي مقاعد البدلاء بجانب مدرب الأهلي التاريخي "هيديكوتي".

الشوط الأول انتهي بهزيمة الاهلي بهدفين لهدف، يعاني بيبو من ارتفاع في درجة الحرارة إلا أن المدرب المجري أصر علي أن يتواجد بجانبه، لم يستطع أن يدفع به ولكن بيبو أصر أنه يستطيع أن يلعب المباراة أمام دموع هيديكوتي المتحجرة في عينيه، وافق هيديكوتي علي اشتراك الخطيب في المباراة التي لن تنساها جماهير الأهلي، ينزل بيبو الي أرض الملعب في بداية الشوط الثاني ليسيطر الأهلي ويخرج من المباراة فائزاً بأربعة أهداف سجل منها الخطيب هدف ثم هدفين لطاهر الشيخ وجمال عبد الحميد، ليتحدث الجميع عن هذا الفريق الذي سيسيطر علي الكرة المصرية في العقد التالي تماماً، هذا الفريق الذي بدأ تكوينه بجيل التلامذة الذي كانت نواته الخطيب نفسه في عمر الستة عشر ثم أخذ يتطور هذا الفريق ليكون فريق الأهلي الأسطوري الذي أعاد الأهلي للهيمنة الكاملة علي مجريات الكرة في مصر.

يفيق الخطيب من ذكريات نهائي الكأس علي صوت المذيع يصيح بحنجرته الشهيرة منبعث من شاشة صغيرة يلتف حولها أكثر من مائة شخص في مقهى صغير لا يتحمل ربع هذا العدد "يفوتها لنفسه، يالا برجلك الشمال، جووووووووووووول، الجون التالت يجيبه الخطيب" لا تستطيع سماع شيء سوي صياح الجماهير في مصر كلها، الكل يقفز في الهواء، الرجال ترتمي في أحضان بعض بفرحة غير مسبوقة، فالأهلي علي أعتاب الحصول علي أول بطولة افريقية، بهدفي الخطيب وهدف علاء ميهوب امام اشانتي كوتوكو، الأمر الذي تكرر بهدف يحفظه الجميع في اياب النهائي في معقل الاشانتي بغانا ليحصل الأهلي علي بطولة افريقيا عام 1982 ويكرم الخطيب كأفضل لاعب في افريقيا، الأمر الذي لم يستطع ان يكرره مصري آخر في استقتاء فرانس فوتبول العام التالي رغم الهزيمة في النهائي أمام كوتوكو أيضاً، صاح صاحب المقهي في الجميع ان كل المشاريب سيتحملها وحده، اكد ان ذلك عهد قطعه علي نفسه في حالة الفوز، تذكر بيبو عندما قطع علي نفسه عهد، العهد الأخير.

الاصابات تلاحق الرجل صاحب الأربعة والثلاثون عاماً، نهائي افريقيا علي الأبواب، يتدرب الخطيب وهو في قمة تركيزه، يتبقي علي المباراة أيام قليلة، الأهلي يقابل المحلة، يشترك بيبو في المباراة ليحضر نفسه للنهائي، بعد نصف ساعة يرتقي بيبو لاستلام الكره ليفاجأ بقدم لاعب المحلة تصطدم بوجهه، ينتقل الخطيب للمستشفي لاجراء عملية بسيطة ولكنه يقطع علي نفسه عهداً أخيرا، اذا استطاع أن يلحق بنهائي افريقيا فستكون المباراة الأخيرة له.

الخطيب ينزل لأرض الملعب بدلاً من أيمن شوقي أخر نصف ساعة وبحوزته 37 هدف افريقي وهداف البطولة بخمسة أهداف وصاحب الفضل في الصعود بهدف اسطوري في كوتوكو، الخطيب يلمس الكره كما لم يلمسها من قبل، يودعها الوداع الرسمي الأخير، كل من في الملعب ينظر للرجل بانبهار، يحصل علي اشادات فريق الهلال السوداني طرف النهائي الآخر كلما لمس الكرة، رجل بهذا المستوي لم يتخيل أحد أن هذه هي مباراته الأخيرة، انتهت المباراه بفوز الأهلي بالبطولة، حمل الخطيب علم الأهلي الذي ينتمي له، صاحب الفضل الأول والأخير، ودار حول الملعب بالكامل ليودع جماهير الأهلي، يعرف بعض تلك الوجوه التي تهتف له، يدين لهم بالفضل، لا يقوى علي الفراق ولكنه يوفي بعهده دائماً.

"ألف شكر ألف شكر" رددها الخطيب بعد مباراة اعتزاله، ربما تلك هي الجملة الأكثر منطقية في حدث كذلك، فالخطيب يشكر الجميع علي كل شيء، النادي الذي صنع أسطورة الخطيب وشارك هو في أسطورته والجماهير التي يؤكد دائماً أنه لن يوف حقهم مهما فعل، والكرة التي غيرت كل شيء في حياته وجعلته جزء من تاريخ مصر وفي قلب كل أهلاوي، الخطيب أسطورة الزمان.

أفاق الخطيب من كل ذلك ليجد نفسه في مدرجات التتش وأرض الملعب تستقبل أشعة شمس يوم جديد، خرج الخطيب من الملعب قبل أن يمتلئ مرة أخرى وعلي وجهه ابتسامة رضا، التف حوله الجميع من جديد، نفس الوجوه التي هتفت بإسمه تطلبه من جديد، يمكنه أن يميز كلمة "المنقذ" بين هتافاتهم المتتالية، لم يجد ما يرد به علي أحد من كل هؤلاء سوي جمله واحدة "ألف شكر".

X