أزمة 1985 الأكبر في تاريخ الأهلي "الحلقة الثانية"

أزمة 1985 الأكبر في تاريخ الأهلي "الحلقة الثانية"

عشنا في الحلقة الأولي من "أهلي المبادئ منتصر دائماً... أزمة 1985 الأكبر في تاريخ الأهلي" أجواء أزمة 1985 تفصيلياً، تحدثنا عن استقالة الكابتن محمود السايس وتولي الكابتن محمود الجوهري مسئولية الجهاز الفني لقطاع الفريق الأول بالنادي الأهلي، وتعرفنا على أجواء الساحة الكروية في مصر في صيف 1985.

واليوم ندخل معاً في قلب الحدث، ما هي أسباب أزمة 1985؟، من بطلها وكيف بدأت وإلى ماذا انتهت؟، وبداية فيجب أن نتعرف على بطل الأزمة.. محمود الجوهري، وحين نتحدث عن تاريخ محمود الجوهري لا يهمنا معرفة التاريخ الكامل لمحمود الجوهري حتى يومنا هذا، ولكن يهمنا أن نعرف من هو محمود الجوهري وتاريخه وقت اختياره لقيادة الإدارة الفنية للنادي الأهلي في صيف 1985.

محمود نصير يوسف الجوهري "محمود الجوهري"، لقبه "التيتش الصغير" لتشابهه مع الراحل "محمود مختار التيتش"، ولد بضاحية حلوان في 20 فبراير 1938 لأب رياضي، حصل على بكالوريوس العلوم العسكرية من الكلية الحربية، وتدرج في سلاح الإشارة حتى خرج من الخدمة برتبة عميد عام 1976، ويعد من أبطال نصر أكتوبر المجيد، متزوج ورزقه الله بولد وبنتين.

بدأ الكابتن محمود الجوهري تاريخه الكروي مع النادي الأهلي موسم 1955/1956 وعمره سبعة عشرة عاماً، ولموهبته الكبيرة التي ظهرت في صفوف الناشئين انضم في الدور الثاني لنفس الموسم للفريق الأول وكان يلعب في مركز ساعد الهجوم، وأحرز أول هدف في تاريخه مع الفريق الأول بمرمى النادي الإسماعيلي في المباراة التي أقيمت بالقاهرة يوم 29 أبريل 1956 وانتهت بفوز الأهلي بهدفين كان الهدف الثاني من نصيب نجم الأهلي في ذلك الوقت وجيه مصطفى، واستمر محمود الجوهري بالفريق الأول حتى اعتزل عام 1964، وتعرض للعديد من الإصابات المؤثرة نتيجة الخشونة الزائدة من مدافعي الفرق المنافسة الذين عجزوا عن مجاراته، وزامل في تاريخه بالملاعب والذي استمر عشرة أعوام العديد من الأجيال على رأسها الجيل الذهبي للأهلي الذي ضم صالح سليم وحسين مدكور واحمد مكاوي والضيظوي وسيد صالح وتوتو وفتحي خطاب وحلمي أبو المعاطي ورفعت الفناجيلي وطارق سليم وعادل هيكل وميمي الشربيني وطه إسماعيل وغيرهم، وفاز مع الأهلي بستة بطولات للدوري العام وثلاثة بطولات لكأس مصر وبطولة واحدة في دوري القاهرة وبطولة كأس الجمهورية العربية المتحدة.

أما مع منتخب مصر فقد كان الكابتن محمود الجوهري نجماً من نجوم منتخب مصر الفائز بكأس أمم أفريقيا 1959 ونال لقب هداف البطولة برصيد ثلاثة أهداف، كما شارك أوليمبيا مع المنتخب القومي في اوليمبياد روما 1960، ولعب في صفوف المنتخب القومي 25 مباراة دولية، ليترك علامة بارزة في تاريخه كلاعب بناديه ومنتخب مصر.

بعد اعتزاله مبكراً عن 28 عاماً سنة 1964 نتيجة الإصابات المتكررة اتجه لمجال التدريب، فعمل مدرباً لفريق الناشئين تحت 16 سنة بالنادي الأهلي عام 1965، وفاز معهم ببطولة القاهرة، ثم ترك التدريب بسبب حرب يونيو 1967 وعمله كضابط بالقوات المسلحة، وفي عام 1971 كلفه الراحل صالح سليم المشرف على الكرة في ذلك الوقت بالعمل مرة أخرى في قطاع الناشئين، ثم عمل مساعداً لمحمد عبده صالح الوحش مدرب الفريق الأول بالأهلي موسم 1972/1973، بعدها تولى تدريب فريق الأمل بالأهلي تحت 21 سنة والذي كان يضم مصطفى يونس ومحمود الخطيب ومصطفى عبده وإكرامي، ثم سافر للسعودية عام 1977 ليعمل مساعداً للمدرب الألماني كرامر في تدريب نادي إتحاد جدة حتى نهاية موسم 1981/1982، ثم كلفه مجلس إدارة النادي الأهلي برئاسة صالح سليم في ذلك الوقت بتدريب الأهلي فتولى المسئولية موسمي 1982/1983، 1983/1984، بعدها سافر للإمارات ليتولى تدريب نادي الشارقة موسم 1984/1985، قبل أن يعيد مجلس الإدارة تكليفه بتدريب الأهلي في صيف 1985.

في هذين الموسمين فاز محمود الجوهري مع الأهلي ببطولتي كأس مصر موسمي 1982/1983، 1983/1984، ولم يوفق الأهلي في الفوز ببطولة الدوري في هذين الموسمين، حيث حل في المركز الثالث في الموسم الأول بعد المقاولين العرب البطل والزمالك الوصيف، وحل وصيفاً في الموسم الثاني بعد الزمالك البطل.

كما فاز الجوهري مع الأهلي ببطولة كأس أفريقيا للأندية أبطال الدوري 1982 للمرة الأولى في تاريخ الأهلي، ووصل للمباراة النهائية في العام التالي 1983 وخسر البطولة في النهائي أمام كوتوكو الغاني، ووصل لدور الثمانية في بطولة أفريقيا للأندية أبطال الكئوس 1984، قبل أن يترك قيادة الإدارة الفنية للفريق في نهاية موسم 1983/1984.

منحه الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك وسام الرياضة من الطبقة الأولى مع الجهاز الفني للفريق الأول واللاعبين بعد فوز الأهلي ببطولة كأس أفريقيا للأندية أبطال الدوري 1982.

هذا هو محمود الجوهري، تاريخ ناصع، أعطاه مجلس إدارة النادي الأهلي الثقة لقيادة الفريق الأول، لكنه كان بطلاً لأزمة من أكبر الأزمات في تاريخ النادي الأهلي، وكان السبب الرئيسي للأزمة لاعب الأهلي "محمد عباس".

بدأت الأزمة من القاهرة قبل سفر الفريق الأول لبريمن في المانيا في 29 يونيو 1985، واستمرت طوال معسكر الفريق ببريمن، وانفجرت بعد عودة الفريق إلى القاهرة، فمن هو محمد عباس سبب هذه الأزمة التاريخية؟.

كان محمد عباس لاعباً لا يشق له غبار، رأس حربة من الطراز الأول، قوي بدنياً أسمر اللون هداف من طراز رفيع، بدأ تاريخه مع الأهلي عام 1979، وكانت أهدافه مؤثرة تخطت العشرين هدفاً في مواسمه الأولى كما كان من الأسباب الرئيسية في فوز الأهلي ببطولتي الدوري والكأس موسم 1980/1981، ووصول الأهلي للدور نصف النهائي لبطولة أفريقيا للأندية أبطال الدوري 1981 قبل أن يعتذر الأهلي عن عدم استكمال المسابقة لظروف اغتيال الرئيس الراحل محمد أتنور السادات في السادس من أكتوبر 1981، قال عنه الكابتن محمد عبده صالح الوحش "محمد عباس يمتلك كل المواصفات التى تضعه على قمة نجوم الكرة الأفريقية حيث امتلك كل مواصفات المهاجم والهداف الممتاز من حيث السرعة والقوة والمهارة"، شارك محمد عباس للمرة الأولى مع الفريق الأول بالأهلي في لقاء ودي أمام نادي ساوث هامبتون الإنجليزي وفاز الأهلي 2/صفر أحرز منها محمد عباس هدفا رائعاً ربطه بقلوب جماهير الأهلي، وأصبح بعدها من أعمدة الفريق الرئيسية، شكل سريعا ثنائيا خطيرا متفاهما مع محمود الخطيب، وقد أثار الثنائي الذعر والارتباك بين مدافعي جميع الأندية بلا استثناء، ودخل تاريخ كرة القدم المصرية بوصفه صاحب واحد من أسرع أهداف بطولة الدوري العام حيث أحرز هدفا في مرمى الترسانة في الدقيقة الأولى بعد تلقيه كرة طويلة من الخطيب اخترق بها دفاعات الترسانة وأحرز هدفه السريع والمباغت.

لكن محمد عباس لم يكن لاعباً ملتزماً، كان كثير الغياب، فبعد تألقه في الموسم سابق الذكر لم يتحمل أضواء النجومية فالتف حوله رفقاء السوء، وأعطاه مجلس الإدارة أكثر من فرصة للانتظام في التدريبات فكان يعود يوماً ويغيب أياماً واستمر على هذا الحال حتى ضبطته الشرطة عام 1986 في شقة مفروشة يتعاطى المخدرات مع رفقاء السوء الذين قضوا على مستقبل لاعب كان بحق مستقبل للكرة المصرية، لكن طريقه كان أسرع للسجون.

قبل أن يضبط البوليس محمد عباس بعام، وتحديداً في فبراير 1985 اتخذ مجلس الإدارة قراراً بشطب محمد عباس من سجلاته لغيابه المتكرر، إلا أن محمود السايس المدير الفني للفريق الأول رأى أن يعطي محمد عباس فرصة أخيرة لعله يعود لرشده، خاصة أن زملائه اللاعبين توسطوا له للعودة، ولم يكن أحد يعلم أن اللاعب قد أخذه رفقاء السوء لطريق اللاعودة، فوافق صالح سليم على اقتراح محمود السايس خاصة أن إتحاد الكرة قد لا يوافق على شطب اللاعب كونه يريد اللعب والانتظام في التدريب، واشترط صالح سليم أن يستمر العمل بقرار الشطب، على أن ينتظم عباس في المران مع محمود السايس، فإن انتظم وعاد لرشده سيتم إعادة عرض أمره على مجلس الإدارة لإلغاء قرار الشطب، أما لو لم ينتظم فيتم على الفور رفع قرار الشطب إلى إتحاد الكرة لاعتماده.

عاد عباس للمران وأقسم أنه تاب وأناب وينوي السير على الطريق المستقيم، وأنه لا يريد أي شيء من مستحقاته ولا شروط له للعب للنادي إلا بعد أن يستعيد قوته وعافيته، وعاد للتدريب مع الفريق، لكنه سرعان ما عاد لسيرته الأولى ولم يلتزم بالشكل الكامل في التدريبات، وانتهى الموسم، واستقال محمود السايس وجاء الكابتن محمود الجوهري، وطلب أن يسمح لمحمد عباس بالمران مع الفريق، إلا أن رأي هاني مصطفى مدير الكرة كان من رأي مجلس الإدارة، فلا أمل في إصلاح محمد عباس.

كان التضارب بين رأي كل من محمود الجوهري المدرب العام وهاني مصطفى مدير الكرة في قضية محمد عباس أول بذور الشقاق بين الرجلين، فالقرار الذي يخص محمد عباس لم يكن فنياً فقط، بل فيه شق إداري، فلائحة الفريق تنص على أن يشترك المدرب العام ومدير الكرة في إدارة الفريق فنياً وإدارياً لكن هناك خيط رفيع في الاختصاصات يفصل بينهما، فللمدرب العام الرأي الأخير في النواحي الفنية، وإن أراد عقاب لاعب فقراره نهائي، وفي نفس الوقت فلو عاقب مدير الكرة لاعباً لعدم الانضباط والالتزام فلا يتدخل في ذلك المدرب العام ولا يضعه في التشكيل ولا يعترض على عقابه مهما كانت قيمة اللاعب، ورغم ذلك تعامل الجوهري مع قضية عباس على أنها قضية فنية فقط متجاهلاً الشق التأديبي وهو ما يدخل في اختصاص هاني مصطفى مدير الكرة.

قبل سفر الفريق الأول لألمانيا اعتمد مجلس الإدارة قائمة الفريق المسافرة وجدد العمل بقرار شطب محمد عباس، بل وطلب عدم اشتراكه في التدريبات، لكن الكابتن محمود الجوهري طلب سفره لألمانيا مع الفريق، وعندما حان موعد السفر لم يجد الجوهري محمد عباس ضمن قائمة الفريق فصمم على سفر محمد عباس وإلا فإنه شخصياً لن يسافر مع الفريق، وعرض الجوهري أن يسافر محمد عباس على نفقته وهدد بالاستقالة وأبلغها للراحل الأستاذ كمال حافظ وكيل النادي في الوقت الذي كان فيه الكابتن صالح سليم رئيس النادي في لندن لإجراء فحوص طبية وفي الوقت نفسه يتابع إبنه هشام الذي كان يعالج هناك.

كان كمال حافظ في حيرة، لقد أصبح بين نارين، فهناك قرار لمجلس الإدارة بشطب محمد عباس، والجوهري يهدد بالاستقالة، وأراد عقد اجتماع لمجلس الإدارة لكن النصاب لم يكتمل فقرر على مسئوليته الخاصة أن يسافر عباس، لكن الظروف شاءت ألا تكتمل إجراءات السفر، فسافر الفريق على أن يسافر عباس بعد اكتمال الإجراءات، غير أن مجلس الإدارة الذي حاول كمال حافظ أن يأخذ منه قراراً بالتمرير لصالح عباس لم يوافق على إلغاء قرار الشطب، وبالتالي لم يسافر عباس لألمانيا... كان هذا ما جرى بالقاهرة.

أما في المانيا فقد زاد قلق الجوهري بعد تأخر محمد عباس عن الوصول لمعسكر الفريق، وكان يوالي الاتصال بالقاهرة ليتابع أخباره حتى عرف أن محمد عباس لن يسافر ألمانيا، فغضب الجوهري واتصل بصالح سليم في لندن الذي أخبره أن قرار مجلس الإدارة واجب الاحترام، وهنا أسقط في يد الجوهري ودار بخلده أن هناك تدخلات في عمله، فهو من ناحية لا يستريح لوجود هاني مصطفى معه في إدارة الفريق رغم أنه هو الذي طلبه للعمل معه، لكن رأي هاني مصطفى الموافق لقرار مجلس الإدارة في قضية محمد عباس جعل الجوهري يشعر أن وجود هاني مصطفى سيكون عائقاً في سبيل سيطرته الكاملة على مقدرات الفريق، وفكر في أن هاني مصطفى لو كان يوافقه الرأي في قضية عباس لكان محمد عباس ضمن صفوف الفريق، ولم يفرق الجوهري بين الشقين الفني والإداري في قضية عباس وأن الشق الإداري التأديبي فيها هو الأهم، فعبر تاريخ الأهلي الطويل كان الشعار الدائم "الأخلاق قبل البطولة".

عاد الفريق الأول للقاهرة يوم السبت 20 يوليو بعد انتهاء معسكر المانيا، وفي اليوم التالي لوصول الفريق للقاهرة اتصل الكابتن حسن حمدي عضو مجلس الإدارة والمشرف العام على الكرة بتكليف من مجلس الإدارة بمحمود الجوهري ليستفسر منه عن استعدادات الفريق لمباراته مع الزمالك في دور الثمانية لبطولة كأس مصر وهل هناك مباريات تجريبية؟.

وكأن محمود الجوهري كان ينتظر أي فرصة لتصعيد الأمور مع مجلس الإدارة، فقد ثار الجوهري وقال لحسن حمدي أنه لا يقبل أي تدخل في عمله من المشرف على الكرة أو من أي أحد، وذكره بأنه كان مدربه وهو ناشئ بالأهلي تحت 16 سنة، كما دربه عندما أصبح الجوهري مساعداً لمحمد عبده صالح الوحش مدرب الأهلي في أوائل السبعينات، فوجئ حسن حمدي بثورة الجوهري ولم يرد عليه بأسلوبه لأنه يحفظ للجوهري أنه كان مدربه.

وفي اليوم التالي قام الجوهري بإرسال استقالة لمجلس الإدارة أوضح فيها أنه يرى أن هناك عراقيل توضع أمامه وأنه ليس من مصلحة الفريق أن يستمر في مهمته، وأوضح الجوهري في استقالته أنه لن يقبل الاستمرار في مهمته إلا لو تولى بنفسه كل الشئون الفنية والإدارية، بمعنى أنه لا يريد هاني مصطفى مديراً للكرة، ولا حسن حمدي عضو مجلس الإدارة مشرفاً على الكرة، على أن يحاسبه المجلس في نهاية الموسم.

علم حسن حمدي باستقالة الجوهري فذهب للنادي ليقابله لكن الجوهري لم يأتي للنادي ولم يتصل بأحد من مسئوليه، ومباراة بطولة الكأس على الأبواب، فكان لابد من قرار سريع، ماذا كان قرار حسن حمدي؟، هذا ما سنعرفه في الحلقة الثالثة.

 

لاعب ذو صلة